نقد دعوى الإعجاز العلمي في آية «إعصار فيه نار»
رد تفصيلي على دعوى إعجازية شائعة مفادها أن آية ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾ سبقت العلم إلى وصف «الإعصار الناري».
مقدمة
يعرض هذا المقال الردَّ على دعوى إعجازيةٍ شائعة في أدبيات ما يُعرف بـ«الإعجاز العلمي في القرآن»، مفادها أن قول القرآن: ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ قد سبق العلم الحديث إلى وصف ظاهرة «الإعصار الناري» (Fire Tornado)، التي لم تُرصد بحسب الإعجازيين إلا قبل سنواتٍ قليلة في أستراليا والبرازيل[1].
ويقوم هذا الرد على اختبار هذه الدعوى عبر ثلاثة مساراتٍ مستقلةٍ عن بعضها: فمن الناحية اللغوية التفسيرية، يتبيّن أن تفسير السلف للآية يخالف الفهم الإعجازي من أساسه، وأن لفظي «الإعصار» و«الاحتراق» أنفسهما يحتملان في اللغة معانيَ أوسع بكثير من الظاهرة المزعومة؛ ومن الناحية البلاغية السياقية، يتضح أن بنية اللفظ القرآني لا تفرض حصر المعنى في ظاهرة الإعصار الناري، بل تحتمل تفسيراتٍ بديهيةً أخرى كاقتران الإعصار بصاعقة، أو حمل الريح للشرر والجمر؛ ومن الناحية العلمية التاريخية، يثبت أن الإعصار الناري ليس ظاهرةً نادرة كما يُزعم، بل معروفٌ ومذكورٌ صراحةً في مصادر فلسفيةٍ ودينيةٍ وأدبيةٍ كثيرة سبقت الإسلام بقرونٍ عديدة.
وبذلك تتهاوى الدعوى في كل مسارٍ من هذه المسارات على حدة، فكيف بها مجتمعةً؟ وسيأتي تفصيل كل هذه النقاط في محاور المقال التالية.
تقرير الدعوى
يبني الإعجازييون استدلالهم على الخطوات التالية[1]:
1. ضرب الله مثلاً لصاحب جنة (بستان) شاخ وضعف وله ذرية ضعيفة، فأصاب بستانه «إعصار فيه نار» فأحرقه بالكامل (البقرة: 266).
2. يعتبر الإعجازيون أن «الاعتقاد السائد» حتى سنوات قليلة كان أن مركز الإعصار بارد أو ساخن قليلاً، وأن ورود ذكر النار فيه «شيء جديد على العلماء».
3. يستشهدون بمقطع فيديو منتشر لظاهرة أطلق عليها اسم Fire Tornado رُصدت في أستراليا، مستنتجين من ذلك أن القرآن أخبر عن ظاهرة طبيعية لم تُكتشف إلا حديثاً، وأن هذا التطابق دليل إعجاز علمي.
و هذه هي بنية الدعوى التي ستُختبر بالتفصيل في المحاور التالية.
ما تقوله اللغة والتفسير عن «إعصارٍ فيه نار»
تفسير السلف للآية
قال ابن عباس:
{إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ} قَالَ: رِيحٌ فِيهَا سَمُومٌ شَدِيد. [2]
والرواية صحيحة بمجموع طرقها ، صححها الحاكم والذهبي [2]
قال قتادة:
إعصار فيه نار يقول: أصابها ريح فيها سموم شديدة.[3]
واسناده صحيح
قال السدي:
رجل احتاج إلـى جنته جاءت ريح فـيها سَموم فأحرقت جنته، فلـم يجد منها شيئا. [4]
قال الربيع البكري:
{ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ } يقول: ريح فـيها سموم شديد [3]
وفي سند الروايتين ( الربيع, السدي) ضعف.
قال مقاتل بن سليمان:
فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ يعني ريح فيها نار يعني فيها سموم حارة فَاحْتَرَقَتْ [5]
خلاصة تفسير السلف
يتبيّن مِن تتبّع أقوال الصحابة والتابعين في تفسير قول القرآن : ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ أن «الإعصار» عندهم رياحٌ شديدة، وأن «النار» المذكورة في الآية هي «السَّموم»، والسَّموم كما هو معلومٌ لغةً هي الريح الحارة .
معنى السَّموم في المعاجم :
كتاب المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده :
والسَّمومُ الرِّيحُ الحارَّةُ... [6]
كتاب كفاية المتحفظ لابن الأجدابي :
والسهام: الرّيح الحارة، وَهِي السمُوم أَيْضا.[7]
كتاب مختار الصحاح لزين الدين الرازي :
وَ (السَّمُومُ) الرِّيحُ الْحَارَّةُ...[8]
فمقتضى هذا كله أن معنى الآية: رياحٌ قويةٌ شديدة الحرارة "أحرقت" الشجر والنخل، لا زوبعةٌ تدور حول نفسها كعمود، ولا نارٌ مشتعلة بالمعنى الحرفي. فالسلف لم يفسّروا «الإعصار» بمعنى الزوبعة الدوّامة، ولا «النار» بالاشتعال الفعلي، بل بالحرارة الشديدة وحدها.
وبهذا يكون تفسير السلف مخالفًا للمعنى الإعجازي المزعوم من أساسه؛ غير أننا سنتجاوز هذه النقطة تنازلًا.
فهذا التفسير نابعٌ من اعتقادٍ عربيٍّ أصيل، مفاده أن ريح السَّموم في جوهرها مادةٌ نارية نافذة، ذات طبيعة مغايرة لطبيعة الهواء المعتاد، وقد تُشعل النار فعليًّا.
أي أن العرب كانت تصف الريح الشديدةُ الحرارة بأنها «تحمل نارًا» لكنها ليست كالنار المعتادة ، وكان هذا تعبيرهم عن شدة حرارتها لا وصفًا مجازيًّا محضًا خاليًا من أصلٍ اعتقادي.
يقول فخر الدين الرازي في تفسيره :
مَعْنى السَّمُومِ في اللُّغَةِ: الرِّيحُ الحارَّةُ...وعَلى هَذا فالرِّيحُ الحارَّةُ فِيها نارٌ ولَها لَفْحٌ وأوارٌ..[9]
وهذا بصريح القرآن ان السموم نوع من النار:
{وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ} [سورة الحجر: 27]
يقول النيسابوري والرازي في بيان هذه الآية:
خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ: نار لطيفة تناهت في العليّان في أفق الهواء، وهي بالإضافة إلى النّار التي جعلها الله متاعا كالجمد إلى الماء والحجر إلى التراب. [10]
وتفصيل هذا التشبيه على النحو التالي:
- «نار لطيفة»: اللطافة هنا نقيض الكثافة؛ أي أنها نارٌ شفافةٌ خفيفة، لا كالنار الغليظة الموقَدة.
- «تناهت في العُلُوّ في أفق الهواء»: أي أنها كائنةٌ في مواضع الهواء وحركته، لا نارٌ أرضية مشتعلة.
- «كالجَمَد إلى الماء، والحَجَر إلى التراب»: تشبيهٌ يوضّح الفارق بين السَّموم والنار المعروفة؛ فالجَمَد (الثلج) أصلٌ كثيفٌ للماء السائل الذي هو أَلْطَف منه، والحَجَر صلبٌ كثيف بخلاف التراب الأنعم الأخف منه. وعلى هذه النسبة نفسها تُقاس العلاقة بين «السَّموم» و«النار» المعروفة.
شواهد من الشعر الجاهلي وصدر الإسلام
ويؤكد الاستعمال الشعري القديم هذا المعنى؛ فقد وصف الشعراء «السَّموم» بأنها ريحٌ ذات طبيعة نارية، من ذلك:
قال حاجز بن عوف:
كَمَعْمَعَـةِ الْحَريقَـةِ فِـي أَبـاءٍ تَشُبُّ ضِرامَها رِيحٌ سَمُومُ. [11]
فـ«الأباء» هو القصب أو البرديّ الملتفّ، وهو سريع الاشتعال إذا جفّ، و«تشبّ ضرامها» أي توقدها، فالبيت يجعل ريح السَّموم هي التي تُشعل النيران فعلًا.
وقال أبو زُبيد الطائي:
من سُمُومٍ كأنَّها لَفْحُ نارٍ صَمَحتْها ظَهيرةٌ غَرّاء . [12]
وقال المرّار الفقعسي:
إذا خرجت تتقى بالقرون أجيج سموم كلفح الصلاء . [13]
أي كلفح النار، و«الأجيج» مصدر الفعل «أَجَّ»، ويعني تلهُّب النار واشتعالها.
وقال حميد بن ثور:
كأن سمومها سرعان نار إذا ما شمسها صفنت صفونا .[14]
خلاصة : طبيعة السَّموم وموقعها من النار المعروفة
يتحصّل مما سبق من شواهد المعاجم والتفاسير والشعر أن «السَّموم» عند العرب ليست النار المشتعلة المعروفة بحرارتها وضوئها ودخانها، وإنما هي ريحٌ حارّةٌ ذات طبيعةٍ ناريةٍ لطيفة، نافذةٌ في الهواء، توصف بالنار على سبيل التحقيق لا المجاز؛ إذ اعتقد العرب أنها تحمل في جوهرها حرارةً وأذى شبيهًا بأثر النار، لا أنها نارٌ موقَدةٌ بعينها. وقد جاء القرآن نفسه شاهدًا على هذا الفهم في ذكره لـ«نار السَّموم» في قوله ﴿مِن نَّارِ السَّمُومِ﴾، وهي النار التي صرّح المفسرون بأنها نارٌ لطيفةٌ مغايرةٌ للنار المتعارَفة، وصدّقه استعمال العرب الشعري القديم إذ وصفوا لفح السَّموم بأنه كلفح النار وأجيجها واشتعالها.
فإذا تقرر هذا، فإن وصف الآية للريح بأن فيها «نارًا» لا يخرج عن هذا الاستعمال العربي الأصيل المعروف قبل نزول القرآن بقرون، ولا صلة له بظاهرة «الإعصار الناري» الحديثة التي يُراد إلصاقها بالآية تعسّفًا. وإذا كانت «النار» في الآية لا تعني بالضرورة اشتعالًا حقيقيًّا، فإن السؤال الأجدر بالبحث الآن هو: ماذا يعني «الاحتراق» في قول القرآن ﴿فَاحْتَرَقَتْ﴾؟ وهل يلزم منه اشتعال النار في البستان فعلًا، أم يحتمل معنًى آخر؟ هذا ما نتناوله في الفقرة التالية.
تفسير السلف للإحراق: بين الاشتعال والإتلاف
يحتمل تفسير السلف لمعنى «الاحتراق» في الآية وجهين اثنين:
- الأول: أن الاحتراق بمعنى الاشتعال والإضرام الفعلي.
- الثاني: أن المراد بالإحراق الإتلاف والإهلاك، لا الاشتعال بالنار.
فقولنا «احترق النبات» يحتمل معنيين: إما أن النار اشتعلت فيه فعلًا، أو أنه خرِب وتلِف.
يقول ابن منظور:
والحَرِيقُ: مَا أَحرقَ النباتَ مِنْ حَرٍّ أَو بَرْدٍ أَو رِيحٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآفَاتِ...[15]
احْتَرَقْت أَيْ هلكْت؛ وَمِنْهُ حَدِيثُ المُجامِع: فِي نَهَارِ رَمَضَانَ احْترقْت. [15]
فلا يلزم إذن من قولنا «احترق النبات» معنى اشتعال النار وإضرامها فيه؛ خاصةً وقد تبيّن آنفًا أن السَّموم في أذهان العرب نارٌ مغايرةٌ تمامًا في طبيعتها عن النار الموقَدة. وخلاصة القول: تفسير السلف يحتمل أن ريح السَّموم أشعلت النار فعلًا، أو أنها أتلفت النبات وأهلكته فحسب، من غير اشتعال.
ويؤيد الوجه الثاني قول ابن عطية في تفسيره:
والإِعْصارٌ الريح الشديدة العاصف التي فيها إحراق لكل ما مرت عليه، يكون ذلك في شدة الحر ويكون في شدة البرد وكل ذلك من فيح جهنم ونفسها كما تضمن قول النبي ﷺ: «إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة..[16]
أي أن الريح الشديدة العاصف إحراقٌ للنبات بمعنى الإهلاك والإتلاف، لا بمعنى الاشتعال.
ومن شواهد اللغة أيضًا أن العرب كانت تقول: «سُمّ النبات» بمعنى أحرقته السَّموم:
كتاب الأفعال لابن القوطية 367هـ :
و سعيد بن محمد المعافري بعد 400 هـ :
و ابن القطاع الصقلي 515 هـ :
وسُم النبات: أحرقته السموم..[17][18][19]
بل إن المؤرخين سجّلوا حوادث فعلية لريح السَّموم وهي تُحرِق النبات والزروع، مما يؤكد أن هذا الاستعمال لم يكن مجازًا بلاغيًّا فحسب، بل وصفًا لظاهرةٍ معروفةٍ متكررة.
يذكر ابن الجوزي:
وفيها: هبت ريح شديدة وسموم... ثم مضت إِلَى هَمَذَان، وركدت عَلَيْهَا عشرين يومَا، فأحرقت الزرع، ثم مضت إِلَى الموصل فخرجت عليهم من قرية سِنْجار، فأهلكت مَا مرت به..[20]
ويذكر شمس الدين الذهبي :
وفيها هبت ريح بالعراق ما قيل شديدة السموم، لم يعهد مثلها، أحرقت زرع الكوفه، والبصرة وبغداد، وقتلت المسافرين. ودامت خمسين يومًا، واتصلت بهمدان، فأحرقت الزرع والمواشي، واتصلت بالموصل وسنجار، ومنعت الناس من المعاش١ في الأسواق، ومن المشي في الطرق، وأهلكت٣ خلقًا كثيرًا والله أعلم بصحّة ذلك.[21]
وسواء تعلق الأمر بحرقٍ اشتعاليّ أو حرقٍ إهلاكيّ، فالنتيجة واحدة: الآية القرآنية تحتمل الوجهين معًا، وهذا وحده كافٍ لنسف حصر المعنى في الاحتمال الإعجازي الواحد الذي يبني عليه دعاة الإعجاز استدلالهم.
وإذا كان هذا هو المتحصَّل من معنى «الاحتراق» في اللغة، فإن ثمة مسألةً أخرى لا تقل أهمية تتصل بلفظ «الإعصار» ذاته، وهي مسألة ينبغي التنبّه لها قبل المضي في الاستدلال، ألا وهي: أن التفريق بين «الإعصار» و«الزوبعة» تفريقٌ لغويٌّ معاصر لم يكن معروفًا عند العرب الأوائل.
التفريق بين «الإعصار» و«الزوبعة» تفريقٌ لغويٌّ معاصر
مما ينبغي التنبيه إليه أن التفريق المعاصر بين «الإعصار» بوصفه عمودًا هوائيًّا دوّامًا، وبين «الزوبعة»، لم يكن معروفًا عند العرب قديمًا؛ إذ كانت العرب تسمّي الزوبعة نفسها «إعصارًا».
يقول ابن الأجدابي في كفاية المتحفظ:
والأعاصير: الَّتِي ترفع التُّرَاب بَين السَّمَاء وَالْأَرْض، الْوَاحِدَة اعصار، وَالْعرب تسميه: الزوبعة.[22]
ويقول ابن منظور في لسان العرب نقلًا عن الزجاج:
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الإِعْصارُ الرِّيَاحُ الَّتِي تَهُبُّ مِنَ الأَرض وتُثِير الْغُبَارَ فَتَرْتَفِعُ كَالْعَمُودِ إِلى نَحْوِ السَّمَاءِ، وَهِيَ الَّتِي تُسَمِّيها النَّاسُ الزَّوْبَعَة. [23]
ويقول أبو نصر الجوهري في تجديد الصحاح:
ومنه سمِّي الإعصار زَوبعةً.[24]
وبهذا يتبيّن أن العرب لم تكن تفرّق بين «الإعصار» و«الزوبعة» كما هو شائعٌ في الاستعمال المعاصر، بل كان اللفظان عندهم يدلان على مسمًّى واحد: الريح التي تثير الغبار وترتفع كالعمود. وهذا يعني أن لفظ «الإعصار» في اللغة يشمل حتى الزوبعة الصغيرة الشبيهة بعمود الغبار، وهي ظاهرةٌ معروفةٌ شائعة الوقوع، ليست نادرة الحدوث كالإعصار الناري الكبير الذي يُبنى عليه الاستدلال الإعجازي. وهذا وحده كافٍ لضرب دعوى الإعجاز في مقتل؛ إذ إن أصحابها إنما يستدلون بندرة وقوع «الإعصار الناري» الكبير وحداثة اكتشافه، في حين أن اللفظ القرآني يحتمل بداهةً ظاهرةً أصغر وأيسر وقوعًا، لا يُتصوَّر معها أي ادعاءٍ بالندرة أو حداثة الاكتشاف. وسيأتي في هذا المقال بيان أن هذه الظاهرة ظاهرةٌ معروفةٌ مشهودة، وليست أمرًا مستحدثًا أو مجهولًا، كما سيأتي أيضًا توثيق أن الإعصار الناري قد وُصف وذُكر في أكثر من عشرة مصادرٍ سابقةٍ للإسلام، مما يُسقط دعوى أنه ظاهرة لم تُعرف إلا في العصر الحديث.
و قبل ان نشرع في ذالك ثمة وجهٌ آخر في تفسير الآية لم نتعرض له بعد، وهو أن يكون المراد بـ«النار» في قوله ﴿فِيهِ نَارٌ﴾ الصواعقَ، وأن الجنة أصابتها صواعق وبردٌ شديد، والصاعقة نفسها نارٌ معروفة. وهذا وجهٌ يستحق الوقوف عنده والنظر في أدلته.
التفسير الثاني: «إعصارٌ فيه صواعق»
ما طبيعة العواصف الشديدة كما يعرفها الناس منذ القدم؟ إنها مشهدٌ متكرر: رياحٌ عاتية، يصحبها مطرٌ غزير، ورعدٌ وصواعق. وهذا المشهد ليس غريبًا عن التجربة الإنسانية في أي عصر.
والصاعقة نارٌ، وهذا معلومٌ في لغة العرب:
كتاب تجديد الصحاح لأبي نصر الجوهري :
الصاعِقَةُ: نارٌ تسقُط من السماء في رعدٍ شديدٍ.[25]
كتاب تفسير غريب القرآن لكاملة الكواري (معاصر) :
• ﴿الصَّاعِقَةُ﴾ نارٌ محرقة تكون مع السحب والأمطار والرعود.[26]
كتاب مختار الصحاح لزين الدين الرازي :
(الصَّاعِقَةُ) نَارٌ تَسْقُطُ مِنَ السَّمَاءِ فِي رَعْدٍ شَدِيدٍ.[27]
وعليه، فمن الممكن أن يكون معنى الآية ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾: ريحٌ قويةٌ شديدة، تمرّ فيها صاعقة. وهذا تفسيرٌ معروفٌ ذكره أبو حفص النسفي، إذ يقول:
﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ﴾: أي: أصابَ الجنَّةَ ريحٌ شديدةُ الهبوب، ملتفَّةٌ في الهواء، حاملةٌ للتراب ﴿فِيهِ نَارٌ﴾ أي: صاعقة عظيمةُ الالتهاب ﴿فَاحْتَرَقَتْ﴾: أي: الجنَّة بالنَّار..[28]
التفسير الثالث: ريحٌ تحمل نارًا
لو افترضنا أن رجلًا كان يسير في طريقه فرأى أشجارًا تحترق، فإن أول احتمالين يخطران بباله لتعليل هذا الاشتعال هما:
- أن إنسانًا تسبّب في إضرام النار.
- أو أن ريحًا حملت نارًا أو شررًا فأصابت الشجر فأحرقته.
وهذا التفسير الثاني يمثّل بديهةً عامة؛ إذ إن تصوّر ريحٍ قويةٍ محمّلةٍ بالنار أو الشرر تصيب نباتًا فتحرقه، فكرةٌ مألوفةٌ مستقرةٌ في الذهن، لا تستدعي أي تكلّفٍ في التصوّر.
دلالة حرف «في»
والنص القرآني يقول: ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾، ولم يقل «إعصارُ نارٍ» ولا «إعصارٌ من نار». واستخدام حرف الظرفية «فيه» يدل على الاقتران والاشتمال، لا على الماهية والتكوين. وبناءً على هذا، فحتى لو تنزّلنا وجارينا الطرح الإعجازي، فإن جزمهم بأن المقصود حصرًا هو ظاهرة الزوبعة النارية (Fire Whirl) دعوى لا يلزمها اللفظ ولا يفرضها.
فالمعنى، حتى وفق تعريفات الإعجازيين أنفسهم للكلمات، يحتمل أن يكون مجرد زوبعةٍ هوائية تحمل معها شرارة نارٍ، أو جمرًا متطايرًا، أو أجسامًا مشتعلة كالخشب.
مثالٌ يوضّح ضعف هذا الاستدلال
لنفترض أن نصًّا يقول: «السماء تمطر»، فيأتي من يزعم أن المقصود نوعٌ معينٌ من المطر لا يحدث إلا بنسبة لا تتجاوز 2%، ثم يصوغ حول ذلك حجةً إعجازية: «كيف لراعي غنمٍ بسيطٍ أن يعرف هذا النوع النادر من الأمطار؟!»
والرد على هذا التكلّف أن نص «السماء تمطر» ورد بوصفٍ عام، ولا شيء في ظاهره يمنع حمله على المطر الطبيعي المألوف. وبالمثل، فإن عبارة ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾ تعبيرٌ عام، لا يوجد ما يمنع كونه وصفًا لزوبعةٍ أو ريحٍ شديدةٍ تصاحبها شرارة نارٍ أو جمرٌ متطاير، من غير أدنى حاجةٍ لإقحام ظواهر يزعمون ندرتها.
وإن سلّمنا بمطابقة النص لظاهرة الـ Fire Whirl
فلنفترض جدلًا أن النص يطابق وصف هذه الظاهرة بعينها؛ فهل الجمع بين «الإعصار» و«النار» في كيانٍ واحد أمرٌ ممتنعٌ على المخيلة الإنسانية عمومًا، وعلى المخيلة البيئية والنصية لمحمد خصوصًا؟
إن الذهن البشري قادرٌ على دمج عناصر الطبيعة لصياغة صور إبادةٍ فائقةٍ للعادة، وخير شاهدٍ على ذلك الأساطير القديمة ونصوص الحروب الأسطورية، التي يُذكر فيها الإعصار الناري صراحةً. بل إن القرآن نفسه أفضل مثالٍ على هذا النسق التصويري الذي يجمع بين عناصر الطبيعة المتفرقة في صورةٍ واحدةٍ مهلكة:
قصة أصحاب القرية (الصوت المهلك):
﴿إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ يس (الآية 29). جاء في كتب بتفسير :
بعث الله إليهم جبريل عليه السلام فأخذ بِعضادتَي باب بلدهم، ثم صاح بهم صيحة واحدة فإذا هم خامدون عن آخرهم..[29]
قصة أصحاب الفيل (المقذوفات النارية):
وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ...[الفيل الآية 3 و 4]
نقل ابن كثير قول المفسرين :
بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ قَالُوا: حِجَارَةٌ مِنْ طِينٍ، طُبِخَتْ بِنَارِ جَهَنَّمَ...[30]
قصة قوم شعيب (المطر الناري):
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. الشعراء (الآية 189)
روى الطبري عن قتادة بسندٍ صحيح :
...فلما أراد الله أن يعذّبهم، بعث الله عليهم حرّا شديدا، ورفع لهم العذاب كأنه سحابة; فلما دنت منهم خرجوا إليها رجاء بردها، فلما كانوا تحتها مطرت عليهم نارا..[31]
إذا كانت المخيلة النصية القرآنية تذكر حجارةً مطبوخةً في نار جهنم تحملها الطير لإبادة أمة، ومطرًا من نارٍ يحرق قومًا يستظلّون بسحابة، وصيحةً ملائكيةً تُطبق الأرض على أهلها؛ فأين الصعوبة أو الاستحالة في تصوّر ريحٍ أو إعصارٍ مقترنٍ بنارٍ لإبادة جنة؟ إن الجمع بينهما تركيبٌ طبيعيٌّ ضمن هذا النسق التصويري نفسه.
هل الأعاصير النارية ظاهرةٌ نادرة حقًّا؟
الحقيقة أن الأمر على خلاف ما يزعمه الإعجازيون تمامًا: فالأعاصير النارية ليست نادرة، بل شائعة الوقوع؛ والنادر منها هو الحجم الضخم فحسب، أما الظاهرة في أصلها فمألوفةٌ متكررة.
تقول إحدى الدراسات المتخصصة الصادرة عن وزارة الزراعة الأمريكية:
The smaller fire whirls are fairly common, while the larger whirls areless common [32]
الترجمة : «الأعاصير النارية الأصغر شائعةٌ إلى حدٍّ ما، بينما الأعاصير الأكبر أقل شيوعًا»
ويقول نيل بَرّوز، كبير علماء الحرائق في الجهة الأسترالية الرسمية، في فيديو موثّق و هو ما نقله موقع ناسيونال جيوخرافي:
"Neil Burrows ... says in the agency's narrated video that fire tornadoes are relatively common but are rarely caught on video, in part because they tend to only last a few minutes and are often in remote—and burning—places."[33]
إن الأعاصير النارية شائعةٌ نسبيًّا، لكنها نادرًا ما تُصوَّر لأنها لا تدوم إلا بضع دقائق المقطع
بل إن نيران المخيّمات المكشوفة كثيرًا ما تُنتج دوّاماتٍ على نطاقٍ أصغر، وقد تولّدت دوّاماتٌ ناريةٌ دقيقةٌ في المختبرات من نيرانٍ صغيرةٍ جدًّا [34]
آلية نشوء الإعصار الناري
والإعصار الناري لا يُنشئ النار من ذاته، بل لا بد من وجود مصدر نارٍ مستقلٍّ عنه أصلًا، فيمتصه الإعصار ويتحوّل من إعصار غبارٍ عادي إلى إعصارٍ ناري؛ أي أن النار يجب أن تكون موجودةً في محيط الإعصار مسبقًا. يوضّح ذلك الدكتور أندرو سوليفان، كبير الباحثين في سلوك حرائق الغابات بمنظمة CSIRO الأسترالية، في مقابلةٍ مباشرة:
«تعرفونها بـ"شياطين الغبار"... ترونها كثيرًا؛ حتى لو وقفتَ في موقف سياراتٍ في يومٍ حار، سترى زوبعة غبارٍ تمر بك. إنها الآلية الفيزيائية نفسها، والفرق الوحيد أنها في هذه الحالة تمر فوق أرضٍ مشتعلة فتلتقط اللهب والرماد والحطام... ومعظم الأعاصير النارية التي ترونها لا تدوم طويلًا» [35]
فالإعصار الناري إذن ليس بذلك المظهر السينمائي الضخم في الغالب، ولا يمكن أن ينشأ من غير وجود نارٍ قويةٍ في محيطه أصلًا.
إذا كانت شائعة، فلماذا لم يذكرها إلا نبي الإسلام؟
والجواب: أنها لم تُذكر حصرًا على لسانه، بل ذكرها عشرات الكتّاب والشعراء والفلاسفة قبله بقرونٍ عديدة، في نصوصٍ صريحةٍ لا تحتمل تأويلًا.
الإعصار الناري في الإسرائيليات
بل إن الإعصار الناري مذكورٌ صراحةً في الإسرائيليات، أي أخبار أهل الكتاب الأسطورية، كما هو معهودٌ فيها. يروي الطبري بسندٍ متصل عن وهب بن منبّه قصة عفريتٍ من الشياطين
حدثني محمد بن سهل بن عسكر البخاري، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم بن هشام، قال: ثني عبد الصمد بن معقل ، قال: سمعت وهب بن منبه يقول:
«...أُعطيت من القوة ما إذا شئت تحوّلت إعصارًا من نارٍ فأحرقت كل شيءٍ آتي عليه»، فأمره إبليس أن يقصد الإبل ورعاتها، فانطلق يؤمّها، فلم يشعر الناس حتى ثار من تحت الأرض إعصارٌ من نارٍ تنفخ منه أرواح السَّموم، لا يدنو منه أحدٌ إلا احترق، فلم يزل يحرقها ورعاتها حتى أتى عليها جميعًا.[36]
وسند هذه الرواية عن وهب صحيحٌ متصل الرجال:
- محمد بن سهل بن عسكر البخاري: ثقة، وممن روى عنه مسلمٌ والترمذي والنسائي ومحمد بن جرير الطبري — هنا
- إسماعيل بن عبد الكريم: ثقة، روى عنه محمد بن سهل بن عسكر — هنا، وروى عن عمّه عبد الصمد بن معقل — هنا
- عبد الصمد بن معقل: ثقة، روى عن وهب بن منبه — هنا
فالرواية إذن صحيحةٌ ثابتةٌ عن وهب بن منبه، وهي من الإسرائيليات، وفي ذلك وجه استدلالٍ مهم. فوهب من كبار التابعين، وُلد سنة 34هـ، وكان كصاحبه كعب الأحبار منقطعًا إلى رواية الإسرائيليات، أي أخبار كتب اليهود والنصارى كما ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء :
«وهب بن منبه... وَرِوَايَتُهُ (لِلْمُسْنَدِ) قَلِيْلَةٌ، وَإِنَّمَا غَزَارَةُ عِلْمِهِ فِي الإِسْرَائِيْلِيَّاتِ، وَمِنْ صَحَائِفِ أَهْلِ الكِتَابِ. قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسٍ، لَهُ شَرَفٌ.[37]
و «الإسرائيليات: هي الأخبار المنقولة عن أهل الكتاب من غير طريق القرآن والسنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، كالذي يُحكى عن كعب الأحبار -وكان من أحبار اليهود فأسلم- ووهب بن منبه، وقد اعتنى بأخبارهم» [38]
فهذه القصة التي يرويها وهبٌ عن شيطانٍ يتحوّل إلى إعصارٍ ناريٍّ يحرق كل شيء، من الإسرائيليات، أي من كتب أهل الكتاب المتداولة آنذاك. وهذه الرواية وحدها كافية لإبطال دعوى الإعجاز فهي دليلٌ على أن تصوّر «الإعصار الناري» لم يكن غريبًا أو مستحدثًا، بل كان موجودًا في أخبار اليهود والنصارى، ومعظم الإسرائيليات سابقةٌ للإسلام بقرون.
نصوصٌ فلسفية ويونانية-رومانية
الفيلسوف الروماني سِنِكا (65م):
وقد أشار الفيلسوف الروماني سينيكا في كتابه Natural Questions إلى هذه الظاهرة بقوله:
This wind that revolves and circles on the same spot and whips itself up as it spins is a whirl wind. If it is more aggressive and spins for longer, it catches fire and produces what the Greeks call a prester: that is, a fiery whirlwind. [39]
الترجمة : وهذه الريح التي تدور وتلتف في الموضع نفسه، وتشتدّ وتزداد عنفًا بفعل دورانها، هي الزوبعة. فإذا كانت أشدَّ ضراوةً، واستمر دورانها مدةً أطول، اشتعلت بالنار وأنتجت ما يسميه الإغريق «بريستر» (Prester)، أي: إعصار ناري.
- بلينيوس الأكبر (65م):
وقد وصف المؤرخ والطبيعي الروماني بليني الأكبر (Pliny the Elder) في كتابه Natural History هذه الظاهرة بقوله:
this is what they call a whirlwind, which overthrows everything in its neighbourhood. When the same rages hotter and with a fiery flow, it is caHed a prester, as while sweeping away the things it comes in contact with it also scorches them up. [40]
الترجمة : وهذا ما يُسمِّونه «الإعصار»، الذي يطيح بكلِّ ما يجاوره. فإذا اشتدَّ وثار بحرارةٍ أشدَّ، وصاحبه لهيبٌ ناري، سُمِّي «بريستير» (Prester)، إذ إنه لا يكتفي باجتياح ما يلقاه في طريقه، بل يُحرقه أيضًا.
- أرسطو (300ق.م):
ويصف الفيلسوف اليوناني أرسطو في كتابه Meteorologica تكوّن الإعصار بقوله:
[41].A firewind is a whirlwind that has caught fire
الترجمة : ريح النار هي اعصار اشتعلت فيه النيران
- أناكساغوراس (500ق.م):
when the hot falls on the cold (that is, aether on air), it produces thunder by the noise it makes, and lightning by the colour on the black of the cloud, and the thunderbolt by the mass and amount of the light, and the typhoon by the more material fire, and the fiery whirlwind by the fire mixed with cloud. [42]
الترجمة : عندما يلتقي الحارُّ بالبارد ـ أي عندما يلتقي الأثير بالهواء ـ يُحدِث الرعدَ بما يُحدثه من صوت، والبرقَ بما يخلقه من لمعانٍ على سواد السحاب، والصاعقةَ بما فيه من كثافةٍ وعِظَمٍ للضوء، ويُحدث الإعصارَ بالنار الأكثر كثافةً، ويُحدِث الإعصارَ الناريَّ بالنار الممتزجة بالسحاب.
نصوصٌ دينية وأدبية أقدم
- ملحمة سومرية (2004ق.م):
An enormous hurricane, irresistible, went before the hero, stirred up the dust, caused the dust to settle, levelled high and low, filled the holes. It caused a rain of coals and flaming fires; the fire consumed men. It overturned tall trees by their trunks, reducing the forests to heaps.[43]
الترجمة : تقدّم أمام البطل إعصارٌ هائل لا يُقاوَم، فأثار الغبار، ثم أسكنه، وسوّى المرتفعات والمنخفضات، وملأ الحفر. وأمطر جمراً ولهيباً متقداً، فالتهمت النار الرجال. واقتلع الأشجار الشاهقة من جذوعها، حتى حوّل الغابات إلى أكوام من الحطام.
- الشاعر اليوناني نونوس (القرن الخامس الميلادي):
وفي ملحمة Dionysiaca، يصف الشاعر الإغريقي نونُّس البنوبولي (Nonnus of Panopolis) هجوم زيوس على تيفون، ويذكر أنه أرسل «إعصارًا ناريًّا» من السماء، إذ يقول:
Zeus the father fought on: raised and hurled his familiar fire against his adversary, piercing his lions, and sending a fiery whirlwind from heaven to strike the battalion of his innumerable necks... one blaze burnt the monster's endless hands, one blaze consumed his numberless shoulders. [44]
الترجمة : قاتَل الأب زيوس فرفع ناره المألوفة وقذفها ضد خصمه، مخترقاً أُسْدَه، مُرسِلاً إعصاراً نارياً من السماء ليضرب كتيبة أعناقه التي لا تُحصى... لَهَبٌ واحد أحرق أيدي الوحش التي لا نهاية لها، ولهبٌ واحد التهم أكتافه التي لا عدد لها.
- فرجيل، الإنياذة (19ق.م):
a whirlwind of fire goes rolling story to story, billowing up the sky. [45]
الترجمة : إعصارٌ من نار يتدحرج من طابق إلى طابق، مُتصاعدًا نحو السماء
- المؤرخ اليهودي فلافيوس يوسيفوس (30م):
So he prayed,and a whirlwind of fire fell [from heaven], and destroyed the captain,and those that were with him. [46]
الترجمة : فَصَلَّى، فَسَقَطَ إعْصَارٌ مِنْ نَارٍ من السماء فأهلكَ القائدَ ومَنْ كانَ معَه
- سفر يشوع بن سيراخ (200ق.م):
ويصف سفر يشوع بن سيراخ صعود النبي إيليا إلى السماء في «إعصار من نار»، إذ جاء فيه:
Qui receptus es in turbine ignis in curru equorum igneorum. [47]
الترجمة : أنتَ الذي رُفِعتَ في إعصارٍ من نار في مركبةٍ من خيلٍ ناريّة
- الوحي الكلداني (200م، منسوبٌ إلى زرادشت ومحفوظٌ عبر بروكلس في القرن الخامس):
And thence a Fiery Whirlwind drawing down the brilliance of the flashing flame, penetrating the abysses of the Universe; for from thence downwards do extend their wondrous rays. [48]
الترجمة : «ومن هناك يهبط إعصارٌ ناريٌّ، يجرُّ معه بريقَ اللهب اللامع، مخترقًا أعماق الكون؛ فمن هناك تنبسط إلى أسفل أشعته المدهشة كلها.»
- تيودوريت القورشي، تفسير المزامير (457م):
They will be dissolved like melting wax (v. 8), a deadly storm of fire falling upon them, fire fell upon them, and they did not see the sun: they will be done away with like wax approaching fire and melting, and will be deprived of life. He said, they did not see the sun, because the dead are not able to see the sun's rays [49]
الترجمة : سيذوبون كشمعٍ ذائب» (الآية 8): أي إن عاصفةً مهلكةً من نارٍ ستحلُّ بهم؛ إذ سقطت عليهم النار، «ولم يروا الشمس». فسيهلكون كما يذوب الشمع عند اقترابه من النار، ويُحرمون من الحياة. وقوله «لم يروا الشمس» لأن الموتى لا يستطيعون رؤية أشعة الشمس.
- الشاعر الإغريقي هوميروس، الأوديسة (القرن الثامن ق.م):
ويُضاف إلى ما سبق شاهدٌ آخر من ملحمة الأوديسة لهوميروس، حيث يصف مصير السفن التي تحاول اجتياز صخور الأعاصير النارية:
no ship that ever yet came to these rocks has got away again, but the waves and whirlwinds of fire are freighted with wreckage and with the bodies of dead men. The only vessel that ever sailed and got through, was the famous Argo [50]
الترجمة : ولم تتمكّن أي سفينةٍ وصلت إلى هذه الصخور قط من النفاذ والنجاة، بل إن الأمواج وأعاصير النار تفيض بالحطام وبأجساد الموتى. والسفينة الوحيدة التي أبحرت ونجت عبرها على الإطلاق كانت السفينة الشهيرة «آرغو»...
- الشاعر الإغريقي هوميروس، الإلياذة (القرن الثامن ق.م):
As when some mighty forest is all ablaze- the eddying gusts whirl fire in all directions till the thickets shrivel and are consumed before the blast of the flame [51]
الترجمة : وكما عندما تكون غابةٌ عظيمةٌ كلها مشتعلة، فإن هبّات الرياح الدوّامية تعصف بالنار في كل الاتجاهات حتى تنكمش الأحراش وتُستهلك أمام عصف اللهب.
شواهد من العهد القديم: اجتماع الريح والنار في مشهدٍ واحد
وهناك أكثر من نصٍّ في العهد القديم يجمع بين الإعصار أو الريح والنار في مشهدٍ واحد:
- سفر المزامير (11: 6):
«يُمْطِرُ عَلَى الأَشْرَارِ فِخَاخًا، نَارًا وَكِبْرِيتًا، وَرِيحَ السَّمُومِ نَصِيبَ كَأْسِهِمْ» — هنا
فالنص يجمع بين النار وريح السَّموم في مشهدٍ واحد.
- سفر حزقيال (1: 4):
«فَنَظَرْتُ وَإِذَا بِرِيحٍ عَاصِفَةٍ جَاءَتْ مِنَ الشِّمَالِ. سَحَابَةٌ عَظِيمَةٌ وَنَارٌ مُتَوَهِّجَةٌ وَحَوْلَهَا لَمَعَانٌ، وَمِنْ وَسَطِهَا كَمَظْهَرِ النُّحَاسِ اللَّامِعِ مِنْ وَسَطِ النَّارِ» — هنا
- سفر إشعياء (29: 6):
«مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْجُنُودِ تُفْتَقَدُ بِرَعْدٍ وَزَلْزَلَةٍ وَصَوْتٍ عَظِيمٍ، بِزَوْبَعَةٍ وَعَاصِفٍ وَلَهِيبِ نَارٍ آكِلَةٍ» — هنا
فالنص يجمع بين الزوبعة ولهيب النار صراحةً.
- سفر إشعياء (66: 15):
«لأَنَّهُ هُوَذَا الرَّبُّ بِالنَّارِ يَأْتِي، وَمَرْكَبَاتُهُ كَزَوْبَعَةٍ لِيَرُدَّ بِحُمُوٍّ غَضَبَهُ، وَزَجْرَهُ بِلَهِيبِ نَارٍ» — هنا
قائمة المراجع
[1] عبد الدائم الكحيل، «ظاهرة إعصار النار»، موقع أسرار الإعجاز العلمي، نُشر في 30 ديسمبر 2013، تاريخ الاطلاع: 1 أغسطس 2026، هنا
[2] المستدرك على الصحيحين - ط العلمية – أبو عبد الله الحاكم (٢ / ٣١١) / هنا "﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾ قَالَ: «رِيحٌ فِيهَا سَمُومٌ شَدِيدٌ» هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ "[التعليق - من تلخيص الذهبي]٣١٢١ - صحيح"
[3] تفسير الطبري جامع البيان - ط دار التربية والتراث – ابن جرير الطبري (٥ / ٥٥٣) / هنا
[4] تفسير الطبري جامع البيان - ط دار التربية والتراث – ابن جرير الطبري (٥ / ٥٤٤) / هنا
[5] تفسير مقاتل بن سليمان – مقاتل (١ / ٢٢١) / هنا
[6] المحكم والمحيط الأعظم – ابن سيده (٨ / ٤٢٩) / هنا
[7] كفاية المتحفظ ونهاية المتلفظ في اللغة العربية – ابن الأجدابي (١٧٧) / هنا
[8] مختار الصحاح – زين الدين الرازي (١٥٤) / هنا
[9] تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير – الفخر الرازي (١٩ / ١٣٨) / هنا
[10] إيجاز البيان عن معاني القرآن – النيسابوري، بيان الحق (١ / ٤٦٩) / هنا
[11] منتهى الطلب من أشعار العرب – ابن ميمون (٣٨٥) / هنا
[12] العين – الخليل بن أحمد الفراهيدي (٣ / ١٢٩) / هنا
[13] الوحشيات = الحماسة الصغرى – أبو تمام (٥٥) / هنا
[14] غريب الحديث - الخطابي – الخطابي (١ / ٣٩٧) / هنا
[15] لسان العرب – ابن منظور (١٠ / ٤٣ و ٤٢) / هنا
[16] تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز – ابن عطية (١ / ٣٦٠) / هنا
[17] الأفعال - ابن القوطية – ابن القوطية (٧٠) / هنا
[18] الأفعال - سعيد المعافري – المعافري، سعيد (٣ / ٥٠٢) / هنا
[19] الأفعال - ابن القطاع الصقلي – ابن القطاع الصقلي (٢ / ١٦٠) / هنا
[20] المنتظم في تاريخ الملوك والأمم – ابن الجوزي (١١ / ٢٠٩) / هنا
[21] تاريخ الإسلام - ط التوفيقية – شمس الدين الذهبي (١٧ / ٦) / هنا
[22] كفاية المتحفظ ونهاية المتلفظ في اللغة العربية – ابن الأجدابي (١٧٧) / هنا
[23] لسان العرب – ابن منظور (٤ / ٥٧٨) / هنا
[24] تجديد الصحاح – أبو نصر الجوهري (٢٠٥٨) / هنا
[25] تجديد الصحاح – أبو نصر الجوهري (٢٨١٨) / هنا
[26] تفسير غريب القرآن - الكواري – كاملة الكواري (٢ / ٥٥) / هنا
[27] مختار الصحاح – زين الدين الرازي (١٧٦) / هنا
[28] التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي – أبو حفص النسفي (٣ / ٣٨٥) / هنا
[29] تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ – ابن كثير (١١ / ٣٥٧) / هنا
[30] تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن – القرطبي (٢٠ / ١٩٨) / هنا
[31] تفسير الطبري جامع البيان - ط دار التربية والتراث – ابن جرير الطبري (١٩ / ٣٩٣) / هنا
[32] Werth et al., Synthesis of Knowledge of Extreme Fire Behavior, Vol. 2 (USDA Forest Service, 2016), p. 142 : here.
[33] Gibbens, S. (2018, January 16). Watch a fire tornado twist through the Australian bush. National Geographic. here
Wikipedia contributors, "Fire whirl," Wikipedia. here [34].
[35] Deacon, Ben, and Kate Doyle. "Unravelling the Mystery of Fire Whirls, the Common Phenomena That Are Hard to Spot." ABC News, October 11, 2017. ABC News
[36] تفسير الطبري جامع البيان - ط دار التربية والتراث – ابن جرير الطبري (١٨ / ٤٨٤) / هنا
[37] سير أعلام النبلاء - ط الرسالة – شمس الدين الذهبي (٤ / ٥٤٥) / هنا
[38] المقدمات الأساسية في علوم القرآن – عبد الله الجديع (٣٤٣) / هنا
[39] Seneca, Lucius Annaeus. Natural Questions. Translated by Harry M. Hine, University of Chicago Press, 2010, p. 79 : here and available free here
[40] Pliny the Elder, Natural History, Vol. I: Books 1–2, trans. H. Rackham, rev. ed. (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1938), 271 . here
[41] Aristotle, Meteorologica, trans. H. D. P. Lee, Loeb Classical Library 397 (Cambridge, MA: Harvard University Press; London: William Heinemann, 1952), 233. here and available on archive here
[42] Arthur Fairbanks, The First Philosophers of Greece: An Edition and Translation of the Remaining Fragments of the Pre-Sokratic Philosophers (London: Kegan Paul, Trench, Trübner & Co., Ltd., 1898), 256. here
[43] Jeremy Black, Graham Cunningham, Eleanor Robson, and Gábor Zólyomi, The Literature of Ancient Sumer (Oxford: Oxford University Press, 2004), 166 . here and availabe free here
[44] Nonnus of Panopolis. Dionysiaca (Books I–XV). Translated by W. H. D. Rouse. Loeb Classical Library 344. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1940, p. 83. here
[45] Virgil. The Aeneid. Translated by Robert Fagles. Introduction by Bernard Knox. New York: Penguin Books, 2006, p. 377. here and available free here
[46] Josephus, Flavius. Antiquities of the Jews. Translated by William Whiston. Book IX, Chapter 2, "Concerning Ahaziah; The King of Israel; And Again Concerning the Prophet Elijah," p. 643 (PDF edition) . here
[47] The Covenant Rendering. “Sirach 48.” Accessed July 31, 2026. here
[48] Westcott, Wynn, ed. The Chaldean Oracles of Zoroaster. Studies in Hermetic Tradition. Blauvelt, NY: Spiritual Science Library, 1979, p. 38. here
[49] Theodoret of Cyrus, Commentary on the Psalms, Psalms 1–72, trans. Robert C. Hill, The Fathers of the Church, vol. 101 (Washington, DC: The Catholic University of America Press, 2000), 334 . here.
[50] Homer. The Odyssey. Translated by Samuel Butler. London: Longmans, Green, and Co., 1900. here
[51] Homer. The Iliad and The Odyssey. Translated by Samuel Butler. New York: Buki Editions, 2009, 182. here and here
مقالات ذات صلة
تفنيد إعجاز الأمواج العميقة في القرآن
تطابق مسافة مكة وهجر أو بصرى: نقد دعوى الإعجاز العلمي
الرد على دعوى إعجاز النجم الطارق
