الرد على اعجاز المسافة بين هجر و مكة و بصرى
أولًا: عرض الدعوى موضع النقاش
في مؤتمر صحفي عُقد بصنعاء في 2 يوليو 2012، أعلن الشيخ عبد المجيد الزنداني، رئيس الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، عن وجود إعجاز نبوي جديد يستند إلى حديث الشفاعة الطويل الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم:
«وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرَ، أَوْ هَجَرَ وَمَكَّةَ»، وفي رواية عبد الله بن المبارك: «أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى» [1].
وخلاصة الدعوى أن قياس هاتين المسافتين بالأقمار الصناعية جاء متقاربًا عند رقم واحد يقارب 1273 كم، وهو ما اعتُبر مصداقًا علميًا حديثًا لخبر نبوي سابق لعصر القياس الجغرافي الدقيق بأربعة عشر قرنًا. وقد نُقل عن الزنداني في تفسيره لدلالة الحديث قوله إن النبي بذلك جعل المسافتين"مقياسًا لحقيقة واحدة"اذا لا بد أن يكونا متساويتين [2].
ثانيًا: المنطلقات النقدية للدعوى
1. إشكالية دلالة الحديث نفسه: هل هما حقيقتان مقصودتان أم شكّ من الرواة؟
قبل الخوض في مسألة تحديد موضع "هجر" جغرافيًا، ثمة إشكالية أسبق تمسّ صميم الدعوى ذاتها: هل تشير صياغة الحديث فعلًا إلى ذكرٍ متعمّد من النبي لمسافتين مستقلتين متساويتين (بين مكة وهجر، وبين مكة وبصرى) بحيث يصح البناء على تطابقهما كـ"إعجاز علمي"، أم أن الأمر لا يعدو كونه شكًّا وقع من الرواة أنفسهم في تعيين اللفظ الذي تلفّظ به النبي؟
إن المتأمل في طرق الحديث يجد أنها لم ترد على صيغة واحدة قاطعة، بل جاءت مترددة بين طرفين بواسطة "أو" التي تفيد الشك أو التخيير:
ففي رواية أبي حيّان التيمي عند البخاري:
«كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَحِمْيَرَ، أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى» [6]
وفي رواية عمارة بن القعقاع عند مسلم وابن حبان:
«كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ أَوْ هَجَرٍ وَمَكَّةَ» [7][8]
والأهم من ذلك أن الراوي نفسه (عمارة بن القعقاع) صرّح عقب سياق الحديث في الروايتين معًا بقوله: «قَالَ: لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَ»؛ أي أنه هو نفسه لم يجزم بأي اللفظين تحديدًا نطق به النبي [7][8]. وهذا التصريح الصريح بعدم الدراية ينقل المسألة من كونها "ذكرًا مقصودًا لحقيقتين جغرافيتين متطابقتين" إلى كونها احتمال شكّ من الراوي في تعيين اللفظ، مما يجعل بناء دعوى إعجاز علمي على تطابق مسافتين لم يجزم الراوي أصلًا بذكرهما معًا بناء على أساس هش من الناحية الحديثية.
وقد تنبّه العلماء قديمًا لهذا الإشكال، فذكر ابو العباس القرطبي في المُفهم احتمالين في المسألة:
"يَحْتَمِلُ أن يكون شكًّا من بعض الرواة، وَيحْتَمِلُ أن يكون تنويعًا، كأنه ﷺ قال: إذا رأى ما بينهما قدّره راءٍ بكذا، وقدّره آخر بكذا، ويصحّ أن يقال: سَلَكَ بها مسلك التخيير" [9]
فالاحتمال الأول (الشك) ينسف الدعوى من أساسها، إذ يعني أن الحديث لم يذكر أصلًا مسافتين مقصودتين للمقارنة، بل مسافة واحدة اختلف الرواة في تعيين طرفها الثاني. أما الاحتمال الثاني (التنويع) فيحاول الإبقاء على أن النبي ذكر التقديرين معًا في مناسبتين مختلفتين.
وقد رجّح العلامة المعاصر محمد بن علي بن آدم الإثيوبي، في شرحه الحديثي "البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج"، الاحتمال الأول، فقال:
" الصواب كونه للشكّ، ويردّ الاحتمال الثاني ما يأتي في رواية عُمارة بن القعقاع بلفظ: «لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ، أَوْ هَجَرٍ وَمَكَّةَ، قَالَ: لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَ؟»، فإنه صريحٌ في الشكّ، وقد وقع عند ابن منده بلفظ: «كما بين مكة وهَجَر، أو مكة وبُصْرَى، لا أدري أيهما قال؟»، فدلّ على أن «أو» للشكّ من غير شكّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب.." [9]
مستدلًا بأن تصريح عمارة بن القعقاع بلفظ "لا أدري أي ذلك قال" يبطل احتمال التنويع؛ إذ لو كان النبي قد قصد ذكر التقديرين معًا في مناسبتين، لما قال الراوي إنه لا يدري أيّ اللفظين قاله. كما استشهد بأن رواية ابن مندة جاءت بلفظ "كما بين مكة وهَجَر، أو مكة وبُصْرَى، لا أدري أيهما قال؟"، وهو ما يؤكد -بحسبه- أن "أو" الواردة في الحديث أداة شكّ لا محالة [9].
وبناءً على هذا الترجيح العلمي المستند إلى ألفاظ الحديث نفسها، فإن دعوى الإعجاز العلمي القائمة على مطابقة "مسافتين متساويتين" ذكرهما النبي عمدًا تفقد ركيزتها الأولى؛ إذ الأصل - وفق أرجح الأقوال - أن الأمر لا يعدو ذكر مسافة واحدة اختُلف في تعيين طرفها بين "هجر" و"بصرى"، لا ذكرًا مقصودًا لحقيقتين جغرافيتين مستقلتين يُراد قياس التطابق بينهما.
وحتى لو تجاوزنا هذا الإشكال جدلًا، وسلّمنا بأن الحديث يشير فعلًا إلى موضع باسم "هجر"، يبقى إشكال آخر لا يقل أهمية، وهو تحديد هذا الموضع جغرافيًا بدقة
2. إشكالية تعيين موضع "هجر" جغرافيًا
يفترض الاستدلال أن "هجر" نقطة جغرافية ثابتة الإحداثيات . وقد عرّفها النووي (ت 676هـ) بقوله:
وَهَجَرُ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالْجِيمِ وَهِيَ مَدِينَةٌ عَظِيمَةٌ هِيَ قَاعِدَةُ بِلَادِ الْبَحْرَيْنِ [3]
وقد نقل الحموي في معجم البلدان قول ابن الحائك (أبو محمد الحسن الهمداني) 280-336هـ وهو أعظم جغرافيي جزيرة العرب في عصره :
وهجر: مدينة وهي قاعدة البحرين, وقيل: ناحية البحرين كلها هجر، وهو الصواب [4]
فبما أن هجر تطلق على ناحية البحرين كلها يبقا السؤال المهم : اين تقع البحرين ؟ و هل هي جزيرة البحرين الحالية ؟
الجواب يأتينا من نفس الكتاب, فقط أورد ياقوت الحموي في موسوعته معجم البلدان تعريفا لبلاد البحرين حيث قال :
البَحْرين: هكذا يتلفظ بها في حال الرفع والنصب والجر..... وقال صاحب الزيج: البحرين في الإقليم الثاني، وطولها أربع وسبعون درجة وعشرون دقيقة من المغرب، وعرضها أربع وعشرون درجة وخمس وأربعون دقيقة، وقال قوم: هي من الإقليم الثالث وعرضها أربع وثلاثون درجة، وهو اسم جامع لبلاد على ساحل بحر الهند بين البصرة وعمان، قيل هي قصبة هجر، وقيل: هجر قصبة البحرين وقد عدّها قوم من اليمن وجعلها آخرون قصبة برأسها. وفيها عيون ومياه وبلاد واسعة، وربما عدّ بعضهم اليمامة من أعمالها والصحيح أن اليمامة عمل برأسه في وسط الطريق بين مكة والبحرين. [5]
وبناءً على تعريف ياقوت للبحرين بوصفها «اسمًا جامعًا لبلاد على ساحل بحر الهند بين البصرة وعمان»، ومع نقله عن ابن الحائك أن «ناحية البحرين كلها هجر»، يتبين أن لفظ هجر لا ينصرف بالضرورة إلى مدينة واحدة محددة، بل قد يطلق على إقليم واسع. ووفق التقسيمات الجغرافية الحديثة يشمل هذا الإقليم:
- المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية.
- دولة قطر.
- مملكة البحرين الحالية.
كما يحتمل بحسب بعض أوصاف الجغرافيين لحدود الإقليم امتداده إلى:
- أجزاء من جنوب الكويت.
- أطراف جنوب البصرة.
وبما أن اسم هجر لا ينصرف إلى موضع جغرافي واحد، فإن المسافة بينها وبين مكة تختلف تبعًا للنقطة المعتمدة داخل الإقليم الذي يطلق عليه هذا الاسم، وتتراوح بين نحو 1200 و1531 كم. ومن ثم فإن مطابقة الرقم 1273 كم ليست نتيجة يفرضها الحديث، بل ثمرة اختيار موضع بعينه من بين عدة مواضع ممكنة.
وهذا على فرض أن هجر تُراد بها المنطقة بأكملها كما رجح ابن الجائك. أما إذا سُلِّم جدلًا بأنها تشير إلى مدينة بعينها داخل هذا الإقليم، كما رجحه بعض الباحثين المعاصرين، فإن أبرز ما طُرح هو مدينةالأحساء السعودية، لكونها واحة كبيرة اشتهرت قديمًا بالنخيل ووفرة العيون. غير أن هذا التحديد لا يحظى باتفاق، وإنما هو ترجيح حديث يستند في معظمه إلى تشابه أوصاف الأحساء الحالية مع الأوصاف الواردة في المصادر القديمة.
وممن خالف هذا الترجيح الباحث حسين آل السلهام، وتكتسب مخالفته وزنًا خاصًا كونه أفرد لمدينة هجر بالذات كتابًا مستقلًا بعنوان "ساحل القرامطة: دراسة تاريخية لقرامطة هجر ٢٨١-٣٧٨هـ". ويرى السلهام أن هجر هي المدينة التي دمّرها القرامطة نحو سنة 287هـ [10]، وأن اللبس نشأ حين نسب بعض مؤرخي الأحساء المتأخرين قرى هجر وهي أصلًا القطيف والزارة والخط إلى واحتهم "دون تحقيق وتثبّت، متجاهلين أن قرامطة هجر انتقلوا إلى الأحساء لاحقًا، لا أنها كانت من قراها أصلًا. بل يعتذر لياقوت نفسه عن عدم دقته في تحديد الموقع، مرجعًا ذلك إلى تباعد نحو 339 سنة بينه وبين خراب المدينة، لا إلى تطابقها مع الأحساء.
وإذا أضفنا أن المرجّحين لتطابق هجر بالأحساء مختلفون فيما بينهم على تحديد موقعها داخل الواحة نفسها قرب البطالية جنوبًا، أم شمال غرب جواثا تبيّن أن حتى هذا المسلك الثاني (تخصيص اللفظ بمدينة بعينها) لا يفضي إلى موضع متفق عليه، فضلًا عن المسلك الأول (كون هجر إقليمًا واسعًا) الذي أسسنا عليه أصل الإشكال
خلاصة الرد
- الحديث نفسه مضطرب اللفظ: لم يرد بصيغة قاطعة تحدد "هجر" و"بصرى" معًا، بل جاء بـ"أو" التي تفيد التردد، وصرّح الراوي نفسه بأنه "لا يدري أي ذلك قال" - وهذا وحده يهدم افتراض أن النبي قصد ذكر حقيقتين للمقارنة.
- حتى مع التسليم بذكر "هجر": فاللفظ في المصادر الجغرافية القديمة لا ينصرف إلى نقطة واحدة، بل إلى إقليم واسع يشمل شرق السعودية وقطر والبحرين، مما يجعل المسافة إلى مكة متراوحة بين 1200 و1531 كم بحسب النقطة المختارة.
- وحتى لو خُصِّص اللفظ بمدينة واحدة (الأحساء): فهذا الترجيح نفسه غير محسوم بين المعاصرين؛ إذ خالفه باحث متخصص في تاريخ هجر بالذات (حسين آل السلهام)، بل واختلف المرجّحون له أنفسهم في تحديد موقعها داخل الواحة, .
- والنتيجة: أن مجرد هذا الاختلاف التاريخي والجغرافي في تعيين موضع "هجر" - بمعزل عن إشكال شكّ الرواة في اللفظ أصلًا - كافٍ وحده لإسقاط دعوى الإعجاز؛ فالإعجاز المزعوم يفترض ثبات طرفي المقارنة، وما دام أحد الطرفين (هجر) غير ثابت الموضع أصلًا، فلا معنى لمطابقة أي رقم مسافة معه، مهما بدا "دقيقًا
المصادر
[1] — صحيح مسلم - ط التركية – مسلم (١ / ١٢٧) هنا
[2] تصريحات الشيخ عبد المجيد الزنداني في مؤتمره الصحفي بصنعاء (2 يوليو 2012)، كما تناقلتها عدة مواقع، منها: شبكة الإلحاد العربي، منتدى "الجدال حول الإعجاز العلمي في القرآن" هنا
[3] شرح النووي على مسلم – النووي (٣ / ٦٩) متاح هنا
[4] معجم البلدان – الحموي، ياقوت (٥ / ٣٩٣) متاح هنا
[5] معجم البلدان – الحموي، ياقوت (١ / ٣٤٦) متاح هنا
[6] صحيح البخاري - ط التأصيل – البخاري (٦ / ٢٢٠) هنا
[7] صحيح مسلم - ت عبد الباقي – مسلم (١ / ١٨٦) هنا
[8] صحيح ابن حبان: التقاسيم والأنواع – ابن حبان (٦ / ٢٢٩) هنا
[9] البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج – محمد بن علي بن آدم الأثيوبي (٥ / ٣٦٣) هنا
[10] حسن بن حسن آل سهام، ساحل القرامطة: دراسة تاريخية لقرامطة هجر (281–378هـ)، ص 111–113. هنا
مقالات ذات صلة
الرد على دعوى إعجاز النجم الطارق
حين يُحمَّل النص ما لا يحتمل: إعجاز البطون الثلاثة في سورة النحل
خرافة الإعجاز في حديث الطاعون | هل سبق الإسلام إلى اكتشاف الحجر الصحي فعلًا؟

